يشكل المسلمون في بلغاريا ما يقرب من 10% إلى 13% من إجمالي السكان وفق إحصائية 2021 (غيتي إيميجز)
رمضان في بلغاريا هذا العام جاء كعادته هادئا وباردا، لكنه لا يعكس أبدا هذا الدفء الناشب في القلوب، والحنين الجارف والمتدفق إلى الأسرة البعيدة في الجانب الآخر من المتوسط. “رمضان في بلادنا العربية شيء آخر”.
توافق يجمع عليه المغتربون الذين يبحثون هنا عن معنى آخر للحياة. وبينما تهيم الروح في عوالم المسحراتي، ولمّة العائلة، وصخب الشوارع بعد الإفطار، يقاوم الجسد الثلوج المتراكمة في الطرقات بملامحها الجامدة والباردة، محاولا استعارة الدفء من “فانوس” الذاكرة المشتعل خلف الضلوع.
تمثل المائدة الرمضانية في بلغاريا نقطة اشتباك ثقافي بين المطبخ البلقاني الأصيل ومحاولات المغتربين العرب استعادة نكهات أوطانهم
جغرافيا الشتات وتقاطع الهويات
بينما تضاء مآذن مسجد “باني باشي” العتيق في قلب العاصمة صوفيا، وتتردد أصداء الأذان عبر وديان جبال “الرودوب” الثلجية، يكشف شهر الصيام هذا العام عن مشهد اجتماعي يتجاوز الشعائر الدينية ليصبح “مرآة للتحولات الديمغرافية”.
يبدو “الحنين المزدوج” الذي تفرضه الهجرة أحد هذه المظاهر؛ فمن جهة تعيش القرى البلغارية المسلمة واقع “الموائد المنقوصة” بعدما نزح شبابها نحو دول غرب أوروبا للعمل هناك، تاركين كبار السن يمارسون طقوسهم في عزلة وجدانية.
فيما تبرز الجاليات العربية والطلاب المغتربون في المدن الكبرى كقوة اجتماعية تحاول “استحضار الأوطان” عبر التواصل اليومي مع الأسرة، والسعي لخلق مائدة رمضان شرقية بنكهة أوروبية.
طقوس المطبخ كآلية دفاع
تتحول تفاصيل الحياة اليومية للمغترب العربي قبيل رمضان إلى سلسلة من التحديات اللوجيستية التي تحمل أبعادا هوياتية؛ حيث تبدأ الرحلة بجهد استقصائي في الأسواق المحلية بحثا عن سلع تموينية محددة، كالتمور ذات الجودة العالية أو الخضراوات المجمدة.
هذا السعي لا يقتصر على تأمين الغذاء، بل يمتد ليشمل محاولات جادة لاستنساخ الممارسات التقليدية، مثل صناعة المعجنات الرمضانية يدويا بالاستعانة بالتوجيهات العائلية عبر الاتصال المرئي، أو البحث عن وصفات بعينها في تطبيقات السوشيال ميديا المختلفة.










